أحمد بن علي الرفاعي الكبير
73
حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى
الاهتداء بهديه بموالاة الأمير رضي اللّه عنه ، وجمع بين النكتتين بلزوم التمسك بالعهد . ومتى اقتدى العبد اهتدى ، ومتى اهتدى تمسك بعهد اللّه ، وهناك وقد عرف ، وهل المعرفة باللّه تعالى إلا هذا ؟ فإن من اهتدى بهدي محمد صلى اللّه عليه وسلم ، واقتدى به ، وتمسك بعهده ، أقبل على اللّه ، وأعرض عن غيره . جاء في الخبر ، أن اللّه تعالى قال : « يا دنيا ! اخدمي من خدمني ، واستخدمي من خدمك » . وليس من معالي الهمة : الاشتغال بما فيه حظ النفس . وفي نعت النبي صلى اللّه عليه وسلم بعلو همته الشريفة : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ( 17 ) [ النّجم : 17 ] . ولا يصل العبد إلى اللّه تعالى ، حتى يقطع مفاوز الدنيا وما فيها ، من زهراتها ولذاتها ، وراحاتها وشهواتها ، ويجاوز أودية الخلق ، وما منهم ، من جميل معاشرتهم وثنائهم ومحمدتهم . وإن اللّه تعالى خلق جميع ذلك ، ابتلاء لكل من أراد أن يصير مجردا ، حتى إن التفت إلى شيء منها صار مفتضحا في دعواه ، وغرق في أودية الحسبان والخسران ، فكم مستدرج بالنعم ، محجوب عن الخالق ، غافل عن الصدق ، جاهل بعرفان النفس ، يصبح ويمسي على الحسبان ، فيبدو له من ذي العرش ما لم يكن يحتسب . قال اللّه تعالى : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [ الزّمر : 47 ] . وإن من معالي الهمة ، ما قيل لأبي عبد اللّه : لو أعطاك اللّه تعالى الدنيا بجميع ما فيها ، ما ذا تفعل بها ؟ فقال : لو أمكنني أن أجعلها لقمة ، وأضعها في فم كافر لفعلت ! قيل : ولم ؟ قال : لأن اللّه تعالى يبغض الكافر والدنيا جميعا ، فأفعل ذلك ، ليقع البغيض إلى البغيض . ثم حكى من صدق ما ادّعاه ، أن سلطان هراة - اسم مدينة - بعث إليه سبعة أوقار من الحنطة ، وكان الشيخ يومئذ بهراة مع أصحابه ، فأطعم الخادم منها أولياءه . فقال له أبو عبد اللّه : أطعم الباقي فقراء العامة ، فقال : لا يمكن ، الأبواب مغلقة .